يوسف المرعشلي
1101
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
استنتج الفرنسيون أن مطالب التونسيين لم يكن الغرض منها إلا فتح السبيل لمداخلة الباب العالي ، واتهموا صاحب الترجمة أنه الواسطة بذلك . ولما بلغه الخبر استعفى من منصبه في تونس وعزم على البقاء بعيدا عنها ، لكنه عاد إليها بعد إلحاح أصدقائه . وكان قد فهم وهو في باريس رغبة فرنسا في ضم تونس إلى أملاكها ضما كليّا ، وأنها أغرت الوزير مصطفى فمالأها طمعا بالترقي ، فذهبت آمال صاحب الترجمة بإنقاذ بلاده فعزم على الخروج منها ، فلم تأذن الحكومة بسفره ، فاحتال بطلب الرخصة للحجّ فأذن له ، فخرج سنة 1296 ه ، وجاء مصر وسافر منها إلى الحرمين ثم يمّم سوريا فالقسطنطينية فأحسنت الدولة وفادته . ولكن الوزير التونسي كتب إلى الباب العالي بإرجاع الشيخ بيرم لأنه لم يقدم حسابا عن إدارة الأوقاف التي كانت في عهدته فنصره خير الدين ولم يسلمه . ولما تم لفرنسا ضم تونس إلى أملاكها سنة 1298 ه عزلت الوزير مصطفى وعاملته معاملة الخائن . واشتغل الشيخ محمد بيرم في أثناء إقامته في الآستانة بالكتابة والتحرير ، وراعى صحته فتحسنت كثيرا وقلّ استعماله للمورفين ، وكانت وجهته النظر في ما آل إليه حال البلاد الإسلامية من طمع الأجانب ، ووصف الأدوية لملافاة ذلك ، ولم يجد الكلام نفعا . ولما تحقّق رسوخ قدم فرنسا بتونس يئس من العودة إليها ، فأراد أن يكون قريبا من أهله ، فانتقل إلى مصر بعد الحوادث العرابية سنة 1884 م . وقد باع أملاكه في تونس ونقل عائلته منها ، وأنشأ في مصر جريدة سياسية اسمها « الأعلام » تصدر ثلاث مرات في الأسبوع ، ثم صارت أسبوعية ، وكانت خطتها محاسنة الإنجليز والاستفادة منهم ، فانتقد بعضهم عليه هذه الخطة لأنها تخالف ما كان عليه في تونس ، وأنه إنما هجرها فرارا من الحكم الأجنبي ، فكيف يكلّف المصريين عكس ذلك ؟ ولكن الذين يرون رأيه كانوا يعتذرون بأنه إنما حثّ على محاسنة الإنكليز والاستفادة منهم لأن معاكستهم وأمر البلاد في أيديهم لا يجدي نفعا . وأن مجافاة الفرنسيين أوجدت أسبابا ساعدتهم على ضم تونس إلى بلادهم . وقد ألجأه إلى انتهاج هذا المسلك أيضا ما قاساه من ظلم الحكم الاستبدادي في تونس ، وما آنسه من العوامل المحركة في مصر بإغراء بعض الأجانب الذين يغرون صدور الناس على حكّامهم مما يعود بالضرر . واضطر بعد إقامته سنتين بمصر أن يعود إلى أوروبا فتمم سياحاته فيها ، وعاد إلى مصر ، فعينته الحكومة سنة 1889 م قاضيا في محكمة مصر الابتدائية ، وكثيرا ما كلفته الوزارة كتابة ملاحظاته على القضاء الشرعي لأنه كان واسع الاطلاع فيه ، وما زال عاملا مجتهدا رغم ما يعتوره من المرض حتى توفي سنة 1307 ه / 1889 م . وقد خلف آثارا كتابية أكبرها كتاب « صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار » طبع بمصر في خمسة أجزاء ، وهو عبارة عن رحلة عامة في أوروبا ومصر والشام والحجاز وغيرها ، وذكر فيها كثيرا من الحقائق التاريخية والاجتماعية عن بلاد العرب وتونس والجزائر لا تجدها في كتاب آخر ، وأكثرها شاهده بنفسه أو كان داخلا فيه ولا سيما تاريخ تونس والجزائر . وله ما خلا ذلك : - رسالة « تحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص » . - « مختصر في فن العروض » . - رسالة في « التحقيق في شأن الرقيق » . بحث فيها عن كيفية معاملة الرق عند المسيحية ، وأن منع الحكومات الإسلامية لتجارة الرقيق شرعي . - كتاب « تجريد الأسنان للرد على الخطيب رينان » . رد فيه على ما كتبه رينان في الإسلام والعلم . - رسالة في جواز ابتياع أوراق الديون التي تصدرها الممالك الإسلامية ، حتى تبقى أموال المسلمين في بلادهم ولا يحجبهم عنها اشتباه الربا ، وهو لا ينطبق في هذه الحالة عليها . وألّف كتابا مسهبا في شأن التعليم بمصر ، ذهب فيه إلى وجوب انتشاره باللغة العربية لسهولة تناوله وتعميمه بين طبقات الناس . وله كتابات أخرى لم نقف على أسمائها ، ويؤخذ من مجملها أن صاحب الترجمة كان من محبي الإصلاح